عمي موح 3ami moh
كتبهاsalahberkani ، في 14 نوفمبر 2007 الساعة: 14:14 م

عمي موح ، في السبعينات من عمره ، بجلبابه الصوفي القصير ، المرقع بألوان القوس الطيفي من أخمص قدميه إلى كتفيه ، خصوصا في مؤخرته ، ومحاذاة مرفقيه و ركبتيه ، تآكلت جوانب الجلباب، جراء كثرة قعوده فوق التراب والأحجار الخشنة، بهت وغبر لونها بتكرار غسيلها ،و تعرضها لأشعة الشمس المحرقة ، فأضحت بلون ترابي طبيعي . كنت بالكاد أميز عمي موح عن محيطه و هو مستلق أو جالس يستظل تحت أشجار التين والزيتون وهو يلهث من قيض الصيف . هكذا إكتسب طريقة سهلة للتواري عن الأنظار، للتهرب من مقترضيه ، ولقضاء حاجاته الحيوية ، كالتغوط في غرسة الهندية دون أن يثير انتباه المارة و انتباه جيرانه.حينئذ يكون الدجاج والخنافيس على موعد مع هذه الوليمة الشهية التي فاضت من أمعاء و مصارين عمي موح بكل سخاء ، لا يكاد يقوم من قعدته المريحة حتى يتجمع حول برازه الدجاج ،فتختفي الكبة الآدمية من سطح الأرض في رمشة عين ، إنه الدجاج البلدي الشهى الذي نتهافت على شرائه ، ونجتهد في طبخه ،بالتوبيل والتعشيب والتحمير ، ثم لنلعق من مرقه حتى التخمة . لا تغيب عن هذا الموعد الخنافيس البرية (عمر بوتشوث) يكور ليدخر ، والذباب يحوم حول الكل. بذلك يصبح عمي موح حلقة فعالة في دورة المادة ، يستهلك و تستهلك فضلاته في إنتضار أن تستهلك الديدان جثته النحيلة ، لا يلوث بيئته بالنفايات البشرية الصلبة و السائلة التي يعاني منها سكان المدن وتكلف ميزانية البلديات عبئا كبيرا.
سروال قندريسي أبيض عريض، بالكاد يغطي ركبتيه النحيلتين الكسيحتين ،ينتعل
حذاءا منسوج من الحلفاء ، تبرز أصابع أرجل من خلا ل فتحاتها الواسعة ، هذه الأصابع كأنها رؤوس سلاحف برية تطل من قوقعتها ، أظافر معقوفة ، خشنة ، بعضها مسودة ومتآكل ، مشوهة ، ، مصابة بأمراض طفيلية مختلفة . تشهد على كبوات عمي موح في دروبنا المظلمة لكن عمي موح لا يبالي بها . ربما لكونها بدون وظيفة حيوية. بينما أظافر اليدين ، كانت تنال قسطا وافرا من عنايته ، يقلمها كل يوم جمعة أو بمناسبة الأعياد الدينية . إن أظافر اليدين سلاح طبيعي في حوزة عمي موح و باقي المخلوقات الضعيفة. يلتجئ إليها لتقشير ما جادت به غرسته من فاكهة الهندية صيفا ، وبرتقال شتاء . ويستعين بها لانتشال ما علق في أرجله من أشواك الصبار والسدر أثناء مزاولة أعماله الفلاحية اليومية . يوظفها في حك جلده المجروب (أجيظ) ، يستعملها لنسف وقتل القمل و البق الذي يعشش في رأسه و ملابسه ، وله في أظافره مآرب عدوانية أخرى ، كالكمش و النبش ، أثناء مشاجراته المجانية اليومية مع زوجته فطوش . هكذا حكمت الأقدار على حياتنا في الريف أن تواجه التعثرات والأشواك و ومختلف الأمراض والمشاجرات المجانية ……
في أرجل عمي موح عروق بارزة صلبة ، تنتأ من جلده المتجعد ، تبدو كقنوات جوفاء ، لا يسري فيها دم آدمي . إن عمي موح يدعي أنه فقد جل دمه في الحرب الأهلية الأسبانية . أثناء فترة الاستعمار الإسباني البغيض للريف ، جند عنوة في الجيش الأسباني مع آلاف من الريفيين ، لمحاربة ( الروخوس) : أي الحمر وهم اليساريون الجمهوريين الإسبان المناوئون لحكم الديكتاتور فرانكو . إن عمي موح أصيب بعدة جروح في عدة أنحاء من جسده و نجى من الموت بأعجوبة ، حسب رواياته دائما إنه مثل القط بسبعة أرواح .
كان عمي موح يسرد علينا رواياته ومغامراته البطولية في هذه الحرب بكل افتخار وكبرياء ، كان يتباهى بجروح في كاحله من جراء إنفجار قنبلة في حقل ألغام . من حقه أن يفتخر ويتباهى ، لكونه إستفاد من معاش تدفعه إياه السلطات الإسبانية ، رغم هزالة هذا المعاش ، فإنه أحسن حالا من صديقه الفقير محند الذي فقد رجله اليسرى في هذه الحرب ، وأصبح وينعت في الدوار (كوخو) ، و من رفيقه الحاج محمادي الذي تنكرت له السلطات الإسبانية ، مدعية أنه تخلى عن الحرب وقفل راجعا قبل أن تضع الحرب أوزارها ، وقبل أن يندحر الروخوس ، و أحسن حالا من أخرين فقدوا حياتهم ….. دفاعا عن قضية لا تمت الى أرضهم ولا إلى ثقافتهم بصلة …
يلف عمي موح رأسه بعمامة طويلة بيضاء ، يتدلى شريط منها خلف ظهره ، و ينحدر جزء منها فوق جبهته و أذنيه . يضطر من حين الى آخر لإعادة لفها بعناية فائقة حول رأسه ، كأنه يضمد جرحا غائرا في رأسه ، هذه الرأس المجروحة حقا بجرح الأمية الذي لا يداوى كسائر سكان البلد . لكن إتقان عمي موح للعبة الداما يشفع له أمام أقرانه ، إنه لا يهزم في هذه اللعبة ، لعبة الفقراء و العاطلين و المتقاعدين…..
من حين لآخر كان السي حدو الذي حفظ بعض سور القرآن الكريم ، ويعرف كتابة وقراءة الرسائل ،يستهزئ من عمي موح ، وهما منهمكون في لعبة الداما :
- على المخزن أن يلصق على بطائقكم الوطنية ، أنتم الأميون، صورة بغل بدلا من صورتكم الشخصية .
و أنا أنظر الى هذا الجمع المتجمهر حول لعبة الداما ، يتخيل لي أننا في جمع من البغال والدواب ، قد يشرعون في ركل وعض بعضهم بعضا لأن أغلبيتهم أميون.
رغم أميتهم فإن الريفيين متعنتون ومحافظون لا يقبلون ولا يستسيغون التغير في حياتهم اليومية بسرعة ، يدافعون عن مواقف أجدادهم بكل قوة. إنها عقلية الريفي .
الشيب غزى جل شعر رأس عمي موح ، لم تسلم منه لحيته المستدقة ،التي كان يمسحها ويقصها بعناية أثناء توضئه ،و يخضبها بالحناء أحيانا ، لكنها لا تشبه اللحى الكثيفة السوداء التي يتباهى بها الإسلاماويون حاليا و يهدد ون القوى العظمى شرقا وغربا . عيناه غائرتان ، أذنان بالكاد تظهر تحت جوانب العمامة ، لا أدري كيف يسمع مخاطبيه ، بهذه الوضعية يكون عمي موح في حوار الطرشان لا يعترف سوى بأفكاره وما دونها فهو محض هراء ، .
منظر وهيئة عمي موح ، في مخيلتي تشبه شخصية جحا ، التي رسمت في مخيلتي منذ أن كنت صغيرا و أنا اسمع حكايات ونوادر جحا ، لكن عمي موح ذو مزاج ثقيل و قاس ،لا يمت بصلة الى شخصية جحا في دهائه و خفة مزاجه لا أعرف كيف رضخ وقبل شن حرب في بلاد بعيدة عن أرضه ، لا ناقة له فيها ولا جمل ، بينما الحاج علوش بذكائه ودهائه تظاهر بالمرض بعد شربه كمية لا يستهان بها من الصابون ومواد أخرى ، حتى لا يجند في صفوف الجيش الإسباني لخوض هذه الحرب اللعينة .
عندما عاد عمي من الحرب الإسبانية ، اشترى بغلة و بقرة و و أرضا و ثلاث نساء و حصص من ماء السقي ،أيام المجاعة من السكان المعوزين ، امتلك قطيعا من الغنم . دأب على حرث أراضيه ونساءه الثلاث ، بكل تفان وإتقان ، كان يزرع بذور الحياة من شعير و ذرة ، يروي ظمأ أرضه و أهله بعرق جبينه و صلبه وما جادت به السماء من الغيث ، فجنى شعيرا وذرة حتى امتلأت مطاميره و خلفا كثيرا بنينا و بناة حتى إختلطت عليه الأسامي ، قدرت غلاته الفلاحية بعشر مطامير من الشعير سنويا ، عدة أمداد من القطاني و عشرات قلل من زيت زيتون ،سمنا و عسلا ، هذا ما خوله أن يصبح من أغنى السكان .. اكتفى بغلاته الفلاحية و معاشه الشهري ، خلد للعيش في أحضان ودفء زوجاته ، خصوصا زوجته الأصغر سنا فطوش المدللة .بينما باقي هاجر معظم السكان إلى الجزائر ثم أوروبا ، هؤلاء المهاجرون أصبحت حالتهم المادية أحسن بكثير من عمي موح ، على الأقل يملكون أرصدة بنكية مهمة ، وبعضهم إشتروا منازل في المدن ، ويتوفرون على سيارات ،
فطوش الزوجة المشاكسة الجميلة ، رغم كثرت طلباتها وحاجياتها ، فإن عمي موح رضخ لها ، لا يستطيع أن يعصيها ويتخلى عنها ، يشتري لها خلسة سكاكير وياغورت إسباني مهربا ليدللها ،. حسب الإشاعات فإنها سحرته بإطعامه حمارا كاملا من أذنيه الى حوافره ، وبخرت له بعظام يهودي ، وتركيبة عجيبة من ألأعشاب و السحنيات البرية والبحرية . تآمرت وتحايلت هذه الزوجة الماكرة ضد زوجها فأطعمته جثث حيوانات و عظام الآدميين ، بينما هو يكد و يشقى ليطعمها شعيرا وحليبا ويكد لكي يرضيها .لكن يبدو أن جسد فطوش أغلى من شعير عمي موح .
بفعل هذه المواد السامة و الجثث المتعفنة التي تناوله عمي موح، ،امتدت أذناه لتعانق السماء ، تقوس ظهره كأنه في سجود مستمر لهذه الزوجة . خارت قدراته الفكرية و الجسدية ،أصبح يئن تحت وطأة فطوش و قساوة العيش . استسلم لمكر هذه المرأة الشيطانية . أصبح حمارا ينهق وهو يحمل أصفارا ،أضحى يهوديا رعديدا يخاف من خيال ظله في واضحة النهار . إستولت اليهود على العالم بالعلم والعمل وظل عمي موح وزوجته فطوش ، يتخبطان في جهلهما و أميتهما وصراعاتهما مع جيرانهما حول حدود الحقول (إيمان). دون أن يتقدما من موقعيهما المتدني قيد أنملة .
أمام شظف العيش و قسوة الأب و الوطن ،هاجر معظم أبناء عمي موح إلى أوروبا و سبتة ، تزوجوا ، وتنكروا لأبيهم ، مما جعله يستعطفهم و يتوسل اليهم ، من حين لأخر ، لإمداده ببعض الدريهمات ،لسدد خصاصه ، امام إرتفاع المعيشة وهزالة معاشه القار . كان عمي موح يثني على ولده الاكبر ميمون الذي ساعده في تركيب الجهاز الفمي للأسنان ، ليسحق الفول والبصل ، وهذه مأساة أخرى .
كل صباح يجلس عمي موح فوق حجارة على قارعة الطريق ، الذباب يحوم حوله كأنه جثة هامدة ، يمسك ربطة من الحلفاء. يهوى عليها بهراوة خشبية(ثزدوست) عدة مراة ، حتى تلين ,.يضعها تحت إبطه ، ويشرع في إبرام الحلفاء بكل تأن . كان بارعا ماهرا في عمله ، يحول قشات الى أغراض فلاحية ومنزلية نافعة ، يصنع قففا (ثيشوماي) لمعاصر الزيتون شواري للدواب ، يبيع منتوجاته اليدوية في السوق الاسبوعي ، لكي يظيف بعض النقود الى معاشه .
عمي موح مولوع بالسياسة ، يمجد النظام الفركاوي في إسبانيا ، يرى ان هذا النظام هو الأصلح لقيادة الشعوب و إخماد الثورات ، و يقول دائما أن التجنيد في صفوف العسكرية مدرسة ضرورية للفرد لكي يعرف قيمة الحياة ، كان يعادى اليساريين (إزرماظان) ، لقد تأثر تاثيرا بالغا بهذا الديكتاتور ، إنعكس هذا التأثير سلبا على تربية أبنائه ، عاملهم بقسوة ، مما جعلهم ينفرون منه جميعا تاركينه يستمتع بآخر أيام حياته مع زوجته الصغيرة .قبل أن يضمه التراب وتقرأ عليه فاتحة القرآن وينزل ضيف ا على خالقه ويستريح من زوجته ومن نفسه …… مدد الله في حياتكم و أسعدكم و السلام عليكم
يتبع ………………………………………………………..
http://www.4shared.com/file/28715858/4a340f9a/Milouda-ga3_ga3_ya_Zobida.html
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























































مايو 1st, 2008 at 1 مايو 2008 7:34 م
ما العلاقة بين الحكاية و السحنيات
مايو 2nd, 2008 at 2 مايو 2008 10:47 ص
السحنيات نوع من الزواحف تكثر في الريف مثل ……………… شكرا على مساهمتك